|
السبت 30 ربيع الأول 1424 هـ 31 مايو 2003 م |
|
|
|
www.album-farid.hostrocket.com
|
الخُلُق الحَسَن بين المعيار الإسلامي
والمعيار الحديث
إعتدت أن
أتأمل سلوكيات من حولي وأتفكر في ردود الأفعال تجاه مختلف السلوكيات ، فأستطيع
أن أختار مَن منهم يمكن أن يكون صديق ومن يجب التعامل معه في أضيق الحدود ومن
يجب تجنب التعامل معه نهائياً ، وكلما كَبِرَت دائرة المعاملات .. وكلما تقدم بي
العمر ، أجد أن السلوكيات تغيرت وتغيرت معها ردود الأفعال وتغيرت المفاهيم
فأصبحت على نقيض ما كانت عليه من حوالي ربع قرن مثلاً .. فبعد أن كانت سلوكيات
الفرد ( المسلم ) تحتكم في مسارها إلى شرائع الله في القرآن والسنة النبوية
وسيرة السلف الصالح ، أصبحت تحتكم إلى المصلحة الشخصية وإن كانت في إطار الصالح
العام .. وإن كانت على حساب الخُلُق الإسلامي فلم أعد قادراً على توصيف صاحب
الخلق ، .. كنا قديماً نصف من يسعى للالتزام بالخُلُق الإسلامي الذي تعلمناه من
ديننا الحنيف في المدرسة والبيت والمجتمع المحيط ، كنا نصف هذا بأنه " على
خلق " وكفى .. فهذا يعني أنه رؤوف .. كريم .. حسن اللسان .. أمين ..
صادق .. وغيرها من الصفات التي وجدناها في السلف الصالح ، ومن كان يمتلك هذه
الصفات أو بعضها يطلق عليه أنَّه إنسان على خلق .
أما الآن .. وبعد أن تبدَّلت الموازين فلم
يعد لهذه الصفات مكاناً في معيار تقدير الخُلُق ، فإذا نظرنا إلى تعاملات
الجماعات داخل المجتمعات الصغيرة " في محيط العمل ، النادي ، السوق ....
" أي مجتمع يختلف فيه شكل المعاملات عن غيره من المجتمعات ، وجدنا نفس
المبادئ والهيئة ولكن على النقيض مما كان سابقاً .. من يتكلم بغير الحق يريد أن
يتكلم بمفرده ، وإذا وجد غيره ينطق حقاً يسعى لإعتراضه بشتى الطرق البعيدة
تماماً عن آداب الحوار التي تعلمناها من الإسلام .. فإما يقاطعه ولا يعطيه فرصة
للحديث .. وإما يُعلي صوته عليه .. وإما أن يبادر بالمصطلحات الجافة والتي
أحياناً تتحول إلى ألفاظ بذيئة تذهل الموجودين فإما تجد من يردها عليه (...
يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه .... ) " الحديث "
ـ وليس بالضرورة أن تصل الأمور إلى حد سب الوالدين ولكنها لا توصف بغير السب
ـ وإما يفضل المستمع تجنب سماع
المزيد فيلتزم الصمت ( .. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ..... "
الآية " ) وربما يكون يكون المتكلم ليس طرفاً في مجال الحديث . وغالباً
ما يتظاهر الموجودين بأن هذا على سبيل المزاح فتسير الأمور وكأنها طبيعية.
الفرد الآن يسعى للحصول على أقصى المكاسب
المادية والأدبية وإن ندرت مؤهلاته وخبراته ومهاراته ، فإن وجد من يفوقه في كل
أو بعض من هذه المعطيات لا يألو جهداً في الكيد له والتنكيل به ، أنت صديقي ما
دمت أجني الفوائد منك فإذا ما انقضت فائدتك فلا أعرفك ، إن كان غيرك يفيدني أكثر
منك فأنت عدوِّي ، نحن أحباب وأداؤك ممتاذ إلى أن تنجز العمل المتفق عليه بيننا
.. أما بعد ذلك فيصبح عملك رديئاً وليس بيننا اتفاق حتى وإن كان مسجلاً في عقد
.. ، العديد من الأساليب الحديثة وجدت طريقها في سلوك أفراد المجتمع الحديث .
وطبيعة الحال أن نجد أفراداً آخرين ما
زالوا متمسكين بسمات الخلق الإسلامي وإن كان على حساب حقوقهم الأدبية والمادية ،
ولكن المُلفِت للانتباه أنهم قلة ، ومهضومة حقوقهم الأدبية والمادية رغم أن
الفائدة العامة للمجتمع تفوق بكثير أولئك المستحدَثين ـ لو أحسنَّا التقدير ـ
وما يُحزن أن هؤلاء المُستحدَثين هم الحاصلون على فرص التبجيل والتكريم والترقي
وطبعاً على حساب المخالفين لشرعتهم والذين غالباً ما يتفوقون في المهارات
العملية والفكرية .
ما يبعث للتوقف أمام هذه الظاهرة .. أن أصحاب الخلق الحديثة
أحياناً ينالون التقدير والمساندة ممن وُجهت إليهم إهاناتهم ، وأحياناً تكون هذه
الإهانات مباشرة لا تورية فيها وأحياناً تكون في المواجهة " عيني عينك
" .. ومع هذا فإن هؤلاء لا يألون جهداً لتبرير أخطاء أولئك لعلهم يجدون
حُجة لإكرامهم ، بينما هؤلاء هم أنفسهم يعاقبون ويتحايلون لأكل حقوق من قدَّرهم
واحترمهم وتفانى في الإخلاص لهم تحقيقاً للصالح العام فقط ولإرضاء الضمير لنيل
رضى الله وليس لنيل رضاهم بأساليب ملتوية ، وأصبح مألوفاً أن يأخذ الفرد مِن حق
مَن احترمه ليعطي من أهانه ، سواء بالإهانة اللفظية أو بعدم الإخلاص في العمل أو
بالتعامل بأساليب ملتوية على حساب الصالح العام .
أحياناً تُضطر للتعامل مع أناس لا تحب
التعامل معهم لعدم رضاك عن سلوكياتهم كأن يكونوا زملائك في العمل ، أو أعضاءً في
نادٍ تمارس فيه هوايتك ، أو بائع لا تجد بضاعة إلا عنده أو لا تعرف غيره يلبي حاجتك
.. في هذه الأحوال لا بد أن يحدث ما يعكر صفو الحياة فتكثر المشاحنات ويكثر
الخصام ويكثر اللجوء إلى الآخرين لتهدئة الموقف ، وحقك مرهون بالقدرة على إقناع
الآخرين أي منكم على صواب ، ويا ويلك إن كان المُحَكِّم يميل إلى الطرف الآخر ..
فستجد نفسك متهماً وإن كان الحق ظاهراً ، وإن كان صالح الموجودين لدى المحكم
فسوف يؤيدونه بالطبع وسوف يهاجمونك بقولهم : إنك لا تستطيع تقدير الصواب لأنك
صاحب المسألة .
قال رسول الله ـ ص ـ : " الحلال بيِّن
والحرام بيِّن ...... الحدبث " .. وبالقياس يمكن الحكم على صواب الفرد
وخطئه في المنازعات أو حتى في اختلاف وجهات النظر ، فإذا ذهبت إلى عملك لتكمل ما
بدأته بالأمس فإذا بك تجد به خللاً ما .. فهل أنت تسببت في حدوث مشكلة لزميلك
الذي أفسد عملك ؟! ، إذا رفضت قبول الحديث بالألفاظ البذيئة فهل أنت إنسان
مُعقَّد وتسيء لزملائك ؟! ، إذا تحايل زميل لك ليمنع عنك أحد حقوقك أو مستحقاتك
الوظيفية فهل أنت بذلك تثير المشكلات وتهين الآخرين ؟! ، إذا اتفقت مع أحد على
أن تنجز له بعض الأعمال هل يجوز أن تتقاضى مقابل بعض هذه الأعمال والباقي يذهب
لآخرين ؟! إذا أديت عملاً لأحد بناءً على طلبه فكافأ من يقومون بمثل هذا العمل
بمقتضى وظائفهم فهل أنت نلت تقديرك الذي تستحقه ؟! .. الإجابة الصحيحة لدى
الجميع ولكن مَن مِنا يجيب الإجابات الصحيحة .
أمثلة كثيرة نشهدها ونسمعها يومياً في شتى
المجتمعات نُمَجِّد فيها المعتدي ونهاجم المعتدى عليه ، ولكن المثل الأمثل
للمسلم الذي يتكاسل في إلقاء السلام أو الرد على السلام هل لنا أن نُعليه أو
نصادقه أو نحابيه ؟!
إنقلب الحال وليس أمامنا إلا أن نذكِّر
بقوله تعالى: ".. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ".
فريد مصطفى عبد الوهاب
28 / 5 / 2003 م
|
|
المقال التالي » في المرحلة القادمة |