الأربعاء 9 رجب 1422 هـ

          26 سبتمبر 2001 م

الأحد    24 مارس 2002 م

 

www.album-farid.hostrocket.com

بل مكيال واحد لأمريكا .. يا عرب

 

       منذ أن وُلدت وحتى الآن وأنا أسمع وأقرأ عن عقدة الخواجة .. وهذا الخواجة دخل حياتنا من أوسع أبوابها ، بل ومنها جميعاً ، .. فمن قديم الأزل جاء إلى بلادنا معتدياً ومغتصباً وناهباً  ، وهذا لم يمنعه من نهب عقولنا أيضاً ، فتدور الدوائر ويخرج جنود الاحتلال عن بلدان عربية كثيرة بعد جهاد وقتال واستبسال المواطنين الأشراف ، يخرج الاحتلال العسكري ولكن يبقى الاحتلال الفكري .

       قلنا في الماضي القريب أن الدول التي احتلت بلداننا العربية متقاسمة فيما بينها ثرواتنا على مر عصور وأزمنة ، أصبحت الآن دول صديقة ، ولست بحاجة إلى التذكير بالعلاقات الحالية العربية الفرنسية أو الإنجليزية أو الإيطالية وغيرهم رغم ما قام به أي منهم تجاه بلدان عربية وفي فترات قريبة من أجيالنا .. نعاني آثارها حتى الآن والأقرب منها ما نذكره بالعدوان الثلاثي .. هذا ما نطلق عليه الغزو والاحتلال العسكري ، أما الغزو والاحتلال الفكري هو أن أصبحنا أسرى هذه الصداقات المزعومة والتي لا يستحي بعضنا بوصفها بـ " العلاقات الأخوية التاريخية " .. أو " علاقة الصداقة التاريخية " ، .. وعلى حد علمي أو ما أذكره من مراحل دراستي النظامية المختلفة أن هذه العلاقة لم تكن سوى علاقة المغتصب بصاحب الأرض ، فتُرى كيف تغير رأينا حتى نطلق عليها الآن " علاقة صداقة تاريخية " ؟ .. هل لأننا لم نكن نعرف معنى الاحتلال والاغتصاب ؟ ، أم أن أولئك المؤرخين ماتوا وجاء بعدهم آخرون بأفكار عصرية عولمية ؟ .

       بعض الآراء ترى أن المعتدي هو الأقوى .. وبالتالي لابد أن يُطاع أيً كان موضعه المكاني ـ عندي وعندك واحد يا رجل ـ ومن هذا المنطلق ترى هذه الآراء أن تكون المصلحة العليا لهذا المعتدي ـ عفواً الصديق ـ ومع شديد الأسف فإن هذه الآراء كان لها الرواج الإعلامي في فترة كان المواطن العربي أضعف ما يكون نفسياً بعد مروره بأشد النكبات في التاريخ المعاصر ، فكان أن انتقلت هذه الأفكار إلى شتى المواطنين العرب فرضينا بها وتقمصناها حتى أصبحت منهاجنا الحياتي المُسلَّم به ، فأصبحنا نمجد كل شيء يصدر عن الغرب مهما كان الضرر الواقع بنا على المدى القريب والبعيد ، وأصبحنا نفضل الحصول على المنتجات الغربية بدلاً من دعم المنتجات العربية ، وما أسهل أن نجد لأنفسنا المبررات ، فالمنتجات الغربية أكثر جودة .. وأكثر متانة .. وأحياناً أقل سعراً ، .. أيضاً العامل الأجنبي أكثر التزاماً ونظاماً ، وأحياناً نكون دولاً نامية وفي حاجة ماسة لمعونة هذه الدول المتقدمة تكنولوجياً ، فلا بأس من تفضيل الغربيات تحت ستار المعونات والقروض الميسرة أو قصيرة وطويلة الأجل ( ييجي مترين ثلاثة  مثلاً ) .

       راح الفرنسيون والطلاينة وبقي الصهاينة والأمريكان ، ولكن مع الفارق .. فبأفكار الصداقة الحديثة يحلو لنا أن نضع الأمريكان في موضع الحَكَم ووليّ الأمر ، أصبح كل أمر يخص العرب في شتى مجالات حياتهم لا تخلو من ذكر هذا الخواجة الذي يرتدي قبعة العم سام ، وعليه فإن هذه القبعة أصبحت من السمات المميزة للحياة العربية ، وإذا ما أراد شبابنا مسايرة المظاهر العصرية اتخذوا العلم الأمريكي عصابة على رؤوسهم بديلاً للقبعة وأحياناً يزينون به مقاعد السيارات وستائرها بل والملابس الرسمية وغير الرسمية ، وكل هذا لهو الدليل على أن علاقة الصداقة هذه نابعة من القلب حتى تؤثر في سلوك ومظهر الكثيرين من عامة الشعوب العربية .

       على الصعيد السياسي والدبلوماسي والإعلامي تتردد عبارة لا يدرك الكثيرون مدلولها الحقيقي أو مدى صدقها مع الواقع ، يقول الساسة والإعلاميون : " أمريكا تكيل بمكيالين " ، وهذا يعني أنها وفي موقع الحَكَم في موقف ما تزن بمعيار يخالف المعيار الذي تزن به الأمور في موقف آخر ، والمعنى لا يخفيه المتحدثون بأن المكيال الذي تزن به أمريكا تصرفات أعوانها الصهاينة ، يختلف عما تزن به تصرفات أعوانها العرب !

منذ الصغر وأنا أسمع عن عقدة الخواجة ، منذ الصغر وأنا أسمع عن المكيالين الأمريكيين ، ومنذ الصغر وأنا لست مقتنعاً بكليهما ، فقد تعلمت في سن مبكر أن الله سبحانه وتعالى قد وهب الأمة العربية العديد من الثروات الطبيعية .. وقد نهب الكثير منها العديد من القوى الأجنبية ، ومع هذا فإن تلك النعم لم تزول وبإمكان العرب والمسلمين اللحاق بالدرب وتعويض ما فات ، ونبوغ العديد من العقول العربية في شتى المجالات .. العلمية والأدبية والطبية والاقتصادية .. لهو دليل دامغ على أن عقدة الخواجة المزعومة لا مبرر لها . ، .. تعلمت منذ الصغر وعاصرت بعض المواقف الأمريكية المساندة لقهر العرب والسطو على أراضيهم وحضاراتهم فموقف الأمريكان مع الاعتداءات الإسرائيلية عام 1967 ما زالت آثاره وتوابعه نتحملها حتى الآن ، .. حكى لي أحد الأصدقاء عن جولته في بعض المقاطعات الأمريكية .. أنه شاهد معبداً فرعونياً كاملاً ضمن الآثار المصرية لديهم .. فترى كيف ذهبت جميعها إلى هناك ؟ ! بالطبع لم يتبرع بها المصريون ولم يبيعونها بدليل الحديث المتكرر عن المفاوضات الدبلوماسية الجارية حول إعادة هذه المسروقات ، كل هذا يشير إلى أن أمريكا لم تكن أبداً في مصاف الأصدقاء مهما اضطرت الدبلوماسية العربية للظهور بهذا المظهر ، المعارضة الأمريكية المستميتة للحقوق العربية في الأمم المتحدة لا تعد ولا تحصى ، الوقوف إلى جانب إسرائيل لإبادة الشعب الفلسطيني لا يكل ولا يمل ، الممارسات الأمريكية للقضاء على عزة وكرامة وحرية واستقلال العرب لم تكن أبداً سرِّية ، بل هي علانية إعلامية متبجحة ، ومع هذا فإننا ما زلنا نحن العرب ندَّعي أن لأمريكا مكيالان ؟ ! .

       أيها القادة العرب ، أيها الإعلاميون العرب ، أيها المثقفون العرب ، أيها المواطنون العرب .. أمريكا ومن حولها لم يكيلوا أبداً بمكيالين ، فمكيالهم واحد وهو القضاء على المسلمين وبخاصة العرب منهم ، فلا تخدعونا أو تخدعوا أنفسكم ، ولعل الموقف الأمريكي الأخير في مؤتمر مكافحة العنصرية بجنوب أفريقيا ومساندة الدول الأوروبية لها يكون المنبه لكم حتى تفيقوا من سباتكم وتتعاملوا مع الأمور على قدرها الحقيقي ، ولعله كان من الأكرم للمسلمين والعرب المشاركين بهذا المؤتمر أن ينتهجوا ما فعلته أمريكا ، فالانسحاب من مؤتمر لا يحقق الصالح العربي هو عين الايجابية في وجود قوى تحارب مطالبة العرب بحقوقهم بالطرق السلمية دولياً .

       أيها الأخوة .. أمريكا ليس لها مكيالين بل مكيال واحد .. هو الصهيونية لإبادة العرب والمسلمين .. فكفوا عن ترديد شعارات خادعة يرحمنا ويرحمكم الله .

 

 

ريشة وقلم :

فريد مصطفى عبد الوهاب

   

الدوحة في 10 / 9 / 2001 م

 

  المقال التالي  » 

 



Free Hosting Provided By: HostRocket Web Hosting Service
Make $50 Per Sale: ViaTalkVoIP Affiliate Program
ViaTalk: Internet Phone Service
VT_White: VoIP Reseller Service