الأربعاء 4 جمادى الأولى 1422 هـ

          25 يوليو 2001م

www.album-farid.hostrocket.com

الدراسات الغربية والتطبيق العربي

 

       يوم الاثنين الموافق 20 يونيو 2001 م ، وفي الصفحة الأخيرة من العدد رقم 4757  لجريدة الشرق ، وافانا الأستاذ / عبد الله العمادي في بابه " أطياف " .. بما وصلت إليه دراسة نفسية كندية ، خلصت إلى ( أن العمال الحزانى أكثر إنتاجية من نظرائهم السعداء ؟! ) .. وقد أوضح العمادي فيما سمحت به مساحة الكلام ، أن ( العامل السعيد حين يعمل يحاول ألا يبذل جهداً كبيراً ، رغبة في الحفاظ على مزاجه " الرايق " كما يقولون ، في حين العكس يكون مع العامل الحزين الذي يكرس وقته وجهده في العمل من أجل إلهاء نفسه عن مشاعره الحزينة الكئيبة ، فتكون النتيجة إنتاجاً عالي القيمة والجودة ، بل يكون مركزاً ودقيقاً في أحيان كثيرة . ) ، ونظراً لخطورة الفكرة على سوق العمل العربي ، فقد آثرت أن أكمل ما بدأه العمادي .. فالوقوف عند نتيجة هذا البحث على هذه الصورة له كثير من احتمالات السلبية عند أصحاب العمل والعاملين على حد سواء .. لماذا ؟؟ .. يقول العمادي : " أخشى أن المسؤولين وأصحاب العمل والمال يتبنون هذه الدراسة وبكل قوة فيكثرون من المسببات والدوافع التي تعين على إبقاء الموظف أو العامل حزيناً على الدوام ، … … " .. والحق أنني أسانده في تلك الخشية ، ومعنا بالطبع جميع العاملين بدءً بالأخير حتى قبل (  الأول أو صاحب العمل ) ! .. إلا أن خوفي من نتيجة تلك الدراسة ربما يفوق ما يجده الأستاذ / العمادي ، ذلك أنه اكتفى بتوصيل الخبر ولم يلفت الانتباه إلى ضرورة تأمل ما وصلت إليه هذه الدراسة ومحاولة مقارنتها بطبيعة العمال العرب بمختلف مستوياتهم الثقافية والعلمية في شتى مجالات العمل ، ومنبع خوفي أن كثيراً من تلك الأطروحات بدأت على هذه الصورة ( دراسة غربية توصلت إلى .. ! ) ثم نبني على أساسها صوراً جديدة لمستقبلنا دون النظر إلى طبيعة هذه الدراسة أو تلك ، ودون النظر إلى نتيجتها المتوقعة ، والدليل على ذلك .. نراه واضحاً ولا نريد أن نعترف به .. فمثلاً الدعوة إلى الحوار بين الآباء والأبناء ، إذا حاولنا تذكر بداية الدعوة إلى هذا الحوار .. لوجدناها على شاكلة هذه الدراسة .. وإذا بحثنا عن النتيجة نراها في شباب اليوم ، وما نسمعه ونقرأه يومياً عن مشكلات تحدث بسببهم ، ولا يحتاج الأمر لرأس النعامة فهو واضح للجميع وإن دفنّا رؤوسنا كالنعام .. ورأيي بالتفصيل لعلك تذكره عزيزي القارئ من مقال لي بعنوان " الحوار الديمقراطي " على نفس هذا المنبر بتاريخ 28 مارس 2001 م ، ومثال آخر لا أريد منه تفاصيل الآن فوقته آت ربما قريباً بإذن الله .. ألا وهو : ( حقوق المرأة ) ، فقد بدؤوا يقولون حق المرأة في التعليم ، ثم حقها قي العمل ، ثم المساواة ، ثم .. ثم .. ثم .. ، ولم تنته الطلبات باسم حق المرأة حتى وجدناها شبه عارية على جميع القنوات التلفزيونية العربية وفي كثير من الأحيان في كثير من البلدان العربية نجد الواقع لا يخالف الفضائيات .. وما زالت المرأة تطالب بكثير من الحقوق ، وعاد الرجل يشكو ولكن هيهات أن يعود الزمن للوراء .

       نحن الآن إذاً نبدأ موضوعاً جديداً ربما نجد منه ما يشغلنا عن الفراغ الذي نعيشه بعد أن قمنا بأعمالنا على أكمل وجه ، وأُعطِي كل ذي حق حقه ، فارتاحت الضمائر ، وامتلأت البطون والجيوب شبعاً وحلالاً ، ولم يعد لدينا ما " يسم البدن " .. فلم نجد أمامنا إلا هذا الكَندي !!؟

       وحتى لا نترك أنفسنا فريسة لمثل هذه الدعاوى علينا أن نتدارس علناً العلاقات بين العمال وأصحاب العمل قبل أن يجدوا لأنفسهم من هذه الدراسة مبرراً للقيام بأعمال عدوانية لا سيما وأننا من قبل معرفتنا بهذه الدراسة قد توافر لدينا الكثير من أصحاب الأعمال الذين يضعون العاملين لديهم في في كثير من الأزمات النفسية سواء بسبب زيادة الأعمال المطلوبة أو في حرمانهم من حقوقهم المادية والأدبية ، وعودة إلى التأمل في حال العامل العربي فإن تأملت أحوالك ( عزيزي القارئ ) وما تمر به من مواقف سعادة أو ضيق وتأثير ذلك على الأداء الوظيفي لوجدت أنه عندما تكون الحالة النفسية أو المزاجية المضطربة سلباً سببها أمر خاص بعيداً عن مجال العمل .. أي على المستوي العائلي أو الاجتماعي ، ويتضخم الأمر حتى يصل إلى درجة تشغل الفكر في أوقات العمل ، فإن الفرد يحاول أن يهرب لبعض الوقت بفكره بعيداً عن تلك المشكلة وبالتالي فإن مكان العمل في معظم الأحيان أو لمعظم الأشخاص يُعد المهرب الذي يجد فيه الفرد ما يشغله عن مشكلاته الخاصة ، فإن استطاع العامل الاندماج فيما يؤدي من أعمال فكرياً وبدنياً يكون قد حصل على قسط من الراحة ومرحلة تنشيطية تعمل على تجاوب العقل مع الموقف المؤجل بصورة إيجابية وهنا يمكن الحكم أن العمل هو وسيلة علاجية لبعض المشكلات الشخصية والتي هي بالضرورة بعيدة عن مجال العمل أو ليست لها صلة ، لذلك يكون نتاجها على جودة ربما تعلو عن غيرها في الظروف العادية ولا يجب أن ننسى أنه لا يمكن تعميمه فيمكن القول أنه يحدث مع معظم الناس ليس جميعهم ، ومعظم المشكلات الخاصة وليس جميعها .

       أما إذا كان الموقف أو الأزمة ذات صلة بمجال العمل على أي شكل فإن الوضع مختلف تماماً ، فإذا كان العامل يجد معوقات أو مضايقات من الزملاء ( كمحاولة التقرب إلى رب العمل على حسابه ، أو التقليل من شأن نتائجه ، أو إبراز نتائجه على أنها من أعمالهم … إلخ  )   ،   أو أن العامل  يجد  مضايقات من الرؤساء أو رب العمل ( كتكليفه بأعمال تفوق طاقته ، أو عدم مكافأته بما يتناسب ومجهوداته ، أو إنكار تميزه ، أو حرمانه من حقوقه المادية .. .. إلخ ) .. فإنه لا يمكن القول بأن التأثير النفسي للعامل هنا يؤدي إلى إنتاج أكثر أو جودة أعلى ، فالمشكلة هنا مباشرة ومستمرة والمكان والعمل ذاته يساعدان الفرد على عدم نسيان أو تناسي المشكلة التي تؤرقه بل هما مجال خصب للتذكير المستمر ، وبالتالي فإن المخرج لا يكون سوى بالإسراع في العمل ريثما يحصل الفرد على مناخ أفضل خارج نطاق العمل ، إن لم يتح له مجالاً للتوصل إلى مخرج من أزمته فهو ربما يحصل على هدنة بالانخراط مع المجتمع أو ما يمكن أن نسميه هروباً من موقع المشكلة بدنياً وذهنياً ، وعلى هذا فإذا كان في موقع العمل ما يؤرق العامل فذلك سيكون سبباً في رداءة الإنتاج خاصة إذا كان العاملون متميزين .

       وعلى هذا يمكننا أن نخلص إلى أن أصحاب العمل أو المسئولين عندما يتسببون في مضايقات لمن يعمل تحت رئاستهم أو إدارتهم .. فهم المسئولون عن رداءة الإنتاج ولا غيرهم ، وعليه فلسنا في حاجة لمعرفة تفاصيل تلك الدراسة الكندية ونكتفي بتدبر الواقع الذي نعيشه من خلال النظر إلى حال العمال الذين يعملون تحت إمرة المتسلطين من أرباب العمل ومعاونيهم وما أكثرهم في عالمنا العربي فلسنا في حاجة للمزيد بل ليتنا نقضي على ما عندنا ، والله المعين .

 

ريشة وقلم

فريد مصطفى عبد الوهاب

 

 

 

 

الدوحة في 19 / 7 / 2001 م

 

  المقال التالي  » 

 



Free Hosting Provided By: HostRocket Web Hosting Service
Make $50 Per Sale: ViaTalkVoIP Affiliate Program
ViaTalk: Internet Phone Service
VT_White: VoIP Reseller Service