الاثنين 19 ربيع الأول 1421 هـ

        11 يونيو 2001 م

www.album-farid.hostrocket.com

كلام في السياسة

نُشِرت بعنوان ( السبيل إلى تنشئة صالحين )

 

       يولد الإنسان وبصحبته العديد من المواهب والقدرات والمهارات العقلية والبدنية ، ويستطيع الأبوان ومن معهما ممن يساهمون في إنماء هذا الوليد وتهيئته للانضمام عضواً فاعلاً في مجتمعه .. أن يتبينوا تلك المواهب والقدرات رويداً رويداً .. وينقحونها ويهذبونها ما استطاعوا ، وبالحذف والإضافة يمكنهم أن يظهروا في الفرد ما هو إيجابي من مواهبه .. يحذفون ما قد يصل إلى الابن من خبرات سلبية عن طريق مصادر غير آمنة عن قصد أو غير قصد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، ويضيفون إليه من خبراتهم ما يساعد في تشكيل تلك المواهب وتنميتها حتى يبرز ما لديه من إمكانات على مر الزمن .. ربما في مجال واحد وربما في عدة مجالات فقد يستطيع الفرد من خلال تلك التوجيهات من الآباء والمعلمين ومن خلال الممارسات العملية لمختلف الأنشطة .. قد يستطيع أن يتميز في أكثر من مجال ، أو يبرز قدراته من خلال عدة مواهب .

       بعض هذه الصفات والمواهب قد تبدو ملامحها في سن مبكرة مما يوحي أنها وراثية ، فكثيراً ما نسمع الأهل يعلقون على تصرف ما بقولهم مثلاً : هذا الفتى سيكون مهندساً مثل أبيه ، أو فناناً مثل خاله ، أو فقيهاَ مثل جده ، أو رياضياً مثل أبيه ، أو أديباً مثل فلان ،.. وأحياناً نسمع : هذا الولد سيكون هادئاً مثل عمه فلان ، أو عصبياً مثل خالته فلانة  .. .. وهكذا نجد أن بعض الملامح المكونة لشخصية الطفل يمكن ملاحظتها دون دراسة متخصصة وبالتالي يجب تنميتها وصقلها بقدر استجابة الولد أو البنت .. وعلى هذا القدر من الأهمية يجب تهيئة الأجواء لممارسة الأنشطة التي بدورها تحقق الهدف المأمول وهو تنمية موهبة ما أو قدرات ما أو اكتساب مهارات ما ، فلا يجوز أن أوضح للإبن ما للقراءة من فضل في تكوين شخصية الفرد ثم أنهره عن كثرة تردده على المكتبات العامة بحجة استثمار الوقت في المناهج المدرسية في الوقت الذي لا أستطيع أن أوفر له ما يأمل من الكتب ، ولا يجوز أن أحث الابن على بناء بدنه بصورة مثالية .. ثم أنهره عن ممارسة الرياضة بحجة أن الدراسة أهم من اللعب .. أو أنهوه عن ممارسة الفنون التشكيلية بحجة أنها إهدار للوقت .. وهكذا يجب على الآباء والمعلمين وأُوْلي الأمر .. بل وأفراد المجتمع أن يشاركوا قي تهيئة كافة الأمور التي من شأنها إعداد النشء لأن يكونوا أعضاء صالحين في مجتمعاتهم وإيجابيين بما اكتسبوه من خبرات ومهارات جسدية وعقلية لخدمة المجتمع بشتى الصور .

       الأدب من المواهب والقدرات العقلية التي تظهر عند البعض في فترة معينة من مسيرتهم الحياتية .. وأن اختلفت الصور الأدبية كالقصة أو الشعر أو حتى الكتابة الصحفية فهي باختصار فن الكتابة أو فن الكلام ، الكلام إذن له أصول وأسس ينبغي للفرد أن يتبعها ، فإذا تجاوزنا الصور الأدبية الفنية التي ربما لا تتوفر عند الجميع .. أو بالأحرى تتفاوت من فرد لآخر .. فإنني أسميها أدب الحوار ، أي أن الكلام الذي يحمل صوراً جمالية من حيث بلاغة الكلمات والتعبيرات لا بد وأن يلتزم آداب الحوار ، فإذا كان الأمر كذلك فإني أراه مستحقاً لقب ( أدب ) ، أما إذا جاء الكلام خارجاً عن حدود الأدب الخلقي .. كأن تحوي صوراً ومعاني مثيرة لأفكار غير أخلاقية .. فلا يجب أن يندرج تحت صنوف الأدب مهما احتوى على بلاغة لغوية ، فكلمة الأدب في ظاهرها تعطي إيحاءات خلقية جميلة المعاني ويجبب أن تكون جميلة المضمون كذلك .

       الأدب على هذا الأساس يجب أن يكون لخدمة المجتمع ، فبالإضافة لكون المنتجات الأدبية تعد في حد ذاتها من عوامل تفعيل عطاء المنتج ( الكاتب ) حيث هي وسيلة لتفريغ شحنة داخلية عاطفية وفكرية لدى الكاتب .. هي أيضاً نتيجة لذلك تساهم في طرح المزيد من الأفكار على الآخرين ( القراء ) ، وإثارة مشاعرهم نحو العديد من القضايا الفكرية والاجتماعية ، وهي أيضاً بذلك تساعد الكثيرين في إيجاد الحلول لكثير من المشكلات .. ذلك إذا جاءت كما قلنا ملتزمة حدود اللياقة المرتبطة بآداب وأخلاقيات الحوار حبذا لو استندت إلى معايير إسلامية .

       فن الكلام المصقول إعلامياً .. الآن ، محدود في صور القصة والشعر ذوي الموضوعات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعواطف الجياشة بين جنسي الكائن البشري ، الحب والغرام والهيام .. الهجر والخصام في المنام .. موضوعات تحمل العديد من الصور الفنية لغوياً على اختلاف مظاهرها الفنية ( مكتوبة أو مؤداه في شكل  أغنية أو عمل درامي ) لتلقى رواجاً بين مختلف فئات الشعوب وإن احتوت صوراً غير مهذبة خلقياً من حيث الكلمة أو شكل الأداء . وأحياناً أخرى قد ينجح عمل فني يثير مشاعر الوطنية والانتماء تجاه المجتمع بشكل عام ، أو الإخلاص وحب شخصيات معينة كالحكام أو الفنانين أو العلماء إلخ .. وما عدا ذلك من الموضوعات أصبحت في نظر العديد من أفراد المجتمع  إن لم يكن معظمهم  ـ كلام في السياسة ؟

       ذلك الأمر ذكرني بموقفي من الكلام منذ فترة ليست بعيدة وليست قليلة.. فكنت أعتبر نفسي بعيداً عن السياسة لمجرد أني لا أخوض ( مع الغير أو حتى مع نفسي ) في أمور زمامها بيد أفراد ذوي سلطة رسمية ، كالحديث في الموضوعات القومية ، الديون الخارجية ، مستوى الاقتصاد المحلي ، سلبيات التعليم ، الخدمات العامة إلخ .. .. وحقيقة الأمر أن مثل تلك الموضوعات لم تكن أبداً في جعبة اهتماماتي ، فلم أكن على دراية كافية بتفاصيلها ، ولم يؤرقني ذلك أبداً ولهذا كنت أعد نفسي مع البعيدين عن السياسة . إلا أنني وجدت أن هناك موضوعات يجب على كل متعلم ومثقف أن يكون له دور في تفعيلها لمصلحة الوطن الذي يعيش فيه ، وهي بأي قدر مهما كان ضئيلاً على صلة بأولي الأمر من قريب أو بعيد في أي مجال ، وهم بشر مثلنا لهم أخطاؤهم سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة ، ولهم قدرات وإن تميزت فهي في حاجة لدعم اجتماعي من خلال التوجيه الهادف من قبل أصحاب الشأن وأصحاب الفكر ، ومن زاوية أخرى فإن أي مشكلة مرتبطة بعامة الناس يكون لهم دور فيها فإن كانوا من أسباب حدوثها فلا بد أن يساهموا في حلها ولو بالرأي ، وعلى هذا الأساس يكون الحديث الصادر من أصحاب الفكر بصوره المختلفة .. على علاقة مشتركة بين الجمهور و أولي الأمر ، أي أنه لابد من الخوض فيه بأي حال من الأحوال ليقف الجميع صفاً أمام قضاياهم .

       ولهذا فقد قررت أن أخرج عن صمتي ، مهما صَنَّف البعض مقالاتي بأي صنف .. فما دمت أكتب للصالح العام وفي حدود آداب الحوار الإسلامي فلا بد أن أؤدي الأمانة التي يمليها علي ضميري على الأقل من منطلق " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " .. فيبقى السؤال : هل يصل صوتي إلى المعنيين ؟ وهل تلقى كتاباتي صدى لدى القراء ؟ .. إذا كانت الإجابة بنعم فإني سائر على الدرب بإذن الله ولا حرج أن تكون مقالاتي

 ( كلام في السياسة ).

فريد مصطفى عبد الوهاب

 

الدوحة في 27 / 5 / 2001 م

تم النشر في 11 / 6 / 2001 م

  

  المقال التالي  » 

 



Free Hosting Provided By: HostRocket Web Hosting Service
Make $50 Per Sale: ViaTalkVoIP Affiliate Program
ViaTalk: Internet Phone Service
VT_White: VoIP Reseller Service