السبت   13 يناير 2001 م

 

الاثنين2 أبريل 2001 م

www.album-farid.hostrocket.com

مشـوار .. و دور الدار

صورة من الحياة

 

       إذا رأى أحدنا رجلاً مسناً يريد أن يعبر الطريق ، فأول ما يبدر إلى الذهن هل هو في حاجة إلى العون للعبور بين مظاهر الحياة العصرية وما بها من صخب للسيارات والمارة ؟.، هل هو لا يعرف وجهته ؟ .. ربما يعرفها ولكنه لا يستطيع الوصول إليها ؟ ..

       هذا ما يدور بذهن أي فرد منا عندما يرى شخصاً مسناً في الطريق ، فلا يتردد في تقديم يد العون ، ولعله بمثابة المُسَكِّن  .. أي أننا نقدم هذا المسن إلى الجانب الآخر من الطريق ثم ننصرف ولا ندري ماذا حدث له بعد ذلك .. وربما لا يعدو الأمر بالنسبة لنا أكثر من الحصول على الأجر والثواب من الله عز وجل ( مقابل عبور الطريق فقط ) ، وربما يتكرر هذا الموقف مع أحدنا عشرات بل مئات المرات عبر حياته وربما يكون الفرد مجبراً على القيام بهذا الدور ، فربما يكون هذا المسن هو أبي أو جدي فهو إذن في حاجة دائمة للعون .. السؤال الذي يجب طرحه .. ما صورة العون الذي ينبغي أن نقدمه لشخصِ مسن ؟ .. هل الأمر مجرد عبور الطريق ؟ ؟

       وقد فكرت في رصد سلوكيات المسنين في مثل تلك المواقف فرأيت أن أحدهم لا يفضل أن يستعين بشاب فتيّ .. بل إنه يتكىء على كهل مثله .. تُرى ما السر في هذا ؟ .. لا بد أن هناك حكمة لا يعلمها إلا صاحبها أبعد من أن تكون مجرد صحبة لمكان معين .. ولعلنا لو أعملنا عقلنا قليلاً لعرفنا الإجابة على السؤال السابق .. ما العون الذي يمكن أن نقدمه لرجل في مثل هذا السن ؟ .. إن هذا  المسن لا يبحث فقط عمن يساعده للعبور بين كل هذه الضوضاء .. أو أنه لا يبحث فقط عن عبور الطريق .. إنه في حاجة إلى رفيق ، صديق .. فكما يقول المثل : الرفيق قبل الطريق .. فإن الحاجة النفسية والاجتماعية هي الأجدر بالبحث لمن في هذه المرحلة .. لقد بذل الرجل ما بذل طوال مشوار حياته ولا بد أنه أعطى الكثير لمن حوله .. عطف ، حنان ، خبرة ، مال .. .. العديد من صور العطاء يبذلها الإنسان لمن حوله أصغر منه أو أكبر كلُُ حسب ما يصادف من مواقف وحسب ما يملك من قدرات .. أما الآن وقد دارت عجلة الزمن ومرت الأعوام تلو الأعوام .. إلى أن جاء الخريف و بدأت أوراق الشجر تتساقط  ، وقل العطاء ، فانصرفت الأنظار .. فترى أي الناس أقدر على رفقة هذا المسن في ظل هذه الظروف ؟ هل هو الشاب الفتي ليعبر به الطريق ؟ .. لسان حال المسنين يقول أنهم ليسوا في حاجة لعبور الطريق ، بل هم في حاجة إلى من يستطيع أن يتحاور معهم عبر هذا الطريق ويكون قريباً إلى فكرهم فيصبح الحوار متكافئاً .. ولعلنا نلاحظ أن معظم من في مثل هذا السن عادة ما ينحصر حديثهم حول تحول الظروف ، تقلب الأيام ، وغدر الزمان .. وعادة ما يود المرء منهم أن يتحدث أكثر مما يستمع ، وغالباً ما يستطرد حول صولاته وجولاته وأمجاده في خضم الحياة القاسية ، وكيف أن الأيام الخوالي كانت أكثر رفقاً وإشراقاً .. وفي المقابل فإن معظم الشباب يملُّون تلك الأحاديث وإن كانوا ذوي قربى ، ويعتبرونها هذياً وتخاريف شيخوخة ، وبالتالي لا يجد المسن ضالته بصحبة الشباب .. إذن فالطريق الأمثل هو بصحبة (الأنداد ) حيث تتشابه الظروف والأحداث والخبرات ووجهات النظر .. حبذا لو أن هذا الصاحب رفيق الطفولة حيث المشاركة في اللعب والمرح واللهو على المروج الخضراء ، والسير سوياً يساعد كلُُ منهم الآخر ويسانده فيتخطوا دوامة الحياة ويقاوموا الخريف ويظل يساند كل منهم الآخر إلى أن يشاء الله .. ؟ ( والأقرب إلى هذه الصورة رفيقا الحياة الزوجية )        

       حاولت أن أجد مبرراً يدعو المسنين إلى هذا الموقف ، فوجدت في زماننا هذا معظم الأبناء يملون الوقوف بجانب آبائهم حالما أدركتهم الكهولة ، ويهملون رعايتهم عندما يجب أن يولوهم الرعاية  ، بل وقد يصل الأمر إلى إيداعهم دور المسنين ، وإذا نظرنا إلى دور دار المسنين لوجدناه البديل الوحيد لإهمال الأبناء في رعاية آبائهم ، وعلى الرغم من الرعاية الصحية والأدبية التي تحاول أن تقوم بها بعض تلك الديار .. إلا أنها لا تكون بأي حال من الأحوال بديلاً عن تواجد الأبناء العاطفي ، وذلك لا يتأتى إلا بالإشراف المباشر على الآباء ، ومهما فعلت دار المسنين من أنشطة ثقافية وربما رياضية تناسب أعمارهم .. إلا أنني أراها ـ في نظر المقيمين بها ـ لا تعدو مجرد محاولة لصرف أنظارهم عن إهمال أبنائهم ، فما أحوج الإنسان وقت الحاجة إلا إلى شخص عزيز يُنتظر منه رد الجميل ، فما بال الفرد منا وهو في حاجة للمساعدة عندما كان صغيراً .. أليست مساعدة الأبوين أكثر وأعمق عطفاً وأقرب إلى القلب مما لو كانت من شخص آخر ، وما بالنا في شبابنا .. أليس وجود أبوينا إلى جوارنا أقرب إلى القلب من وجود أي صديق أو قريب ، فما الحال ونحن نرى من كانوا سبباً في نهوضنا وبنائنا منذ لحظة الميلاد إلى أن أصبح لكل منا كيانه .. نراهم الآن في حاجتنا .

       إن شباب العصر الحديث لا يدركون تلك الأمور جيداً ، ولا يدركون ما أمرنا الله لبر الوالدين ، فكانت النتيجة هي إنتشار دور المسنين في البلدان المسلمة ، ومعظم المقيمين بها لا أراهم باحثين عن خدمات فندقية .. بل الأمر بالنسبة لهم لا يعدو الهروب من الفراغ النفسي العاطفي نتيجة هجرة الأبناء ، فما من بديل سوى رفقة ( الأنداد ) المتشابهين في الأحوال ، لعل كل منهم يجد في حكاياته لزميله في الدار .. ما يهون عليه غربته العاطفية عن أبنائه .

       بالنظر إلى أحوال عدد ليس بالقليل من المسنين في بلاد المسلمين ، أجدنا في حاجة لإعادة النظر في أدوار الأبناء ، ليس في دار المسنين ، ولكن في دار الوالدين .. وليسأل كل منا نفسه : لماذا نحب أن نُرزق بالأبناء ؟

       أخي الشاب .. " وبالوالدين إحسانا " .. فكما تدين تدان .

       هذا ما جال بخاطري وتسلل إلى صدري وشغل ذهني وعواطفي عندما رأيت مشهد من نافذة الحافلة ( الأتوبيس ) ، كانا كهلين متكئين كل منهما على الآخر ولسان حالهما يروي قصة هجرة الأبناء ، فكانت لوحة ( مشوار ) .. التي تعبر عن حالة فئة هامة في مجتمعاتنا .. فكثيراً ما ينسى الأبناء فضل الآباء ، ويتخلون عنهم حيث هم في أشد الحاجة إلى تعويضهم بالرعاية والعطف والعناية ، فتُرى إن أمدّ الله أجلنا إلى مثل هذا السن ، ماذا سيكون حالنا ؟ ( الله المستعان )

فريد مصطفى عبد الوهاب

 

الصورة :

في أعلى الصورة أقدام طفلين لعلهما صديقا الطفولة الذين ارتبطا سوياً باللعب وغيره من مظاهر الحياة ، وتشاركا حلو الأيام ومرها ، وكانا معاً على الخير ، وهذا ما توضحه الأعشاب الخضراء تحت أقدامهما ، فاستطاعا أن يتخطيا معاً دوامة الحياة التي وصلت بين مرحلة الطفولة ومرحلة الكهولة واتصفت بشتى الألوان لتدل على تنوع ما بها من المتشابهات والمتناقضات في آن واحد ففيها الحلو والمر ، كما فيها الخير والشر ، وفيها أيضاً الضيق والفرج ، ونرى الخريف حيث تساقطت أوراق الشجر البني دليلاً على الجفاف وهي إلى جانب الكهلين دليلاً على التشابه بين الحالين " خريف العمر " .. وقد أصبح كلاهما مُعيناً للآخر حتى يخرجان معاً من تلك الدوامة إلى القدر المحتوم ، ونستشعره في الصورة في تقدمهما إلى مقدمة الصورة وكأنهما قد بدءا الخروج فاختفت من الصورة أقدامهما أو أكثر ، وبالنسبة للأقدام فتناولها في الصورة له مدلولات ، فاختفائها من مقدمة الصورة لهو دليل على بداية خروج هذين الرجلين من هذا الإطار والمقصود به الحياة الدنيوية ، أما ظهور الأرجل أعلى الصورة بهذا الشكل ليلفت الأنظار إلى أن تلك الأقدام الأربع التي تدخل الإطار هي نفسها التي تخرج من الإطار لكنها في بداية هذا المشوار ـ مشوار الحياة ـ فنلاحظ أنها أقدام أطفال وتحيط بها الخضرة دليلاً على ما يميز مرحلة الطفولة من خير ونماء وهي في حركات لعب ولهو واستمتاع ، والمدلول الثاني لظهور الأرجل فقط في مرحلة الطفولة واختفائها في مرحلة الكهولة .. هو تفادي رسم الأشكال الآدمية كاملة ومحاولة دمجها مع بقية عناصر الصورة بطريقة لا تخل بالشكل بل وتضيف للمعنى . ووجود الدوامة في منتصف الصورة ربما ليدل على أن معظم صعاب وصراعات الحياة يمر بها الإنسان في مرحلة الشباب منتصف العمر ، وربما لتكون أداة الوصل بين مرحلتي الطفولة والكهولة ، وربما لتلفت نظر المشاهد للعلاقة بين أقدام الأطفال وجسدي الكهلين لعله يكتشف أنهما نفس الشخصين ، وبالتالي نتوصل إلى أنه مشوار من الطفولة إلى الكهولة ، وهذا الموضوع يلفت انتباهنا إلى أهمية أن يفكر الإنسان جيداً في مَن حوله مِن مسنين سواء أقرباء أو غرباء ، لنأخذ من سيرتهم العبرة لعلنا نمر بمثل ما هم فيه الآن ، ونحن إن فعلنا ذلك لعرفنا كيف نعطي المسنين قدرهم .

       وعلى الرغم من امتلاء الصورة بالعناصر الشكلية ، إلا أن أحداً من هذه العناصر لم يأخذ أكثر من حقه لا من حيث الموقع أو المساحة التي يشغلها في الصورة ولا من حيث اللون في الشخصية و الوضوح ، إضافة إلى أن العناصر في مجملها نرى بينها تآلف من حيث الشكل والمساحة واللون والمدلول الذي يقرِّب ذهن المشاهد إلى خلاصة الموضوع فترى النظر يجوب إطار الصورة في انسيابية دون ملل فيستمتع المشاهد بالتفاصيل دون الانصراف عن الموضوع الأساسي وهو ..  (المشوار )

 

 

  المقال التالي  » 

 



Free Hosting Provided By: HostRocket Web Hosting Service
Make $50 Per Sale: ViaTalkVoIP Affiliate Program
ViaTalk: Internet Phone Service
VT_White: VoIP Reseller Service