|
الأربعاء 3 محرم 1422 هـ 28 مارس 2001 م الاثنين 9 ابريل 2001 م (1-2 ) الأربعاء 11 أبريل 2001 ( 2-2 ) |
|
|
|
www.album-farid.hostrocket.com
|
( الحوار الديمقراطي ) ..
عكف الإعلاميون والمربُّون ( التربويون ) فى السنوات القليلة
الماضية على نشر فكرة وجوب الحوار الديمقراطي بين الآباء والأبناء ، وأراهم
جميعاً قد تناولوا الموضوع بصورة سطحية ، فقد إهتموا بعرض أدلة من القرآن والسنة
مثل "وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ "[ آل عمران ، 159 ] ، " وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ " [ الشورى ، 38 ] ، ".. وذلك بغرض إقناع
المتلقي بأن ذلك من مبادئ الإسلام .. فماذا كانت النتيجة ؟ .. لقد أصبح الشباب
والمراهقين بل والأطفال يجادلون آباءهم .. دون حياء ، ودون طاعة ، ويكلمون
الآباء والمعلمين بغطرسة وكِبْر ، فكثر التمرد بينهم ، وأصبح من المألوف أن
تطالع فى الصحف أخبار جريمة إرتكبها أحد الأبناء ضد أحد الآباء أو أحد معلميه .[
وغاب عن هؤلاء المرشدين إلى طرق التربية الحديثة ، أن يوجهوا المتلقين من آباء
ومعلمين وأبناء وطلاب .. إلى آداب الحوار ، والصورة الصحيحة لذلك الحوار
الديمقراطي المزمع تحقيقه ، وكيف يكون الأب أو المعلم مقدراً لمستوى ابنه أو
تلميذه الفكري و العملي ، وكيف أن لكل مرحلة سنِّيَّة ما يناسبها من القول
والعمل .. الثواب والعقاب .. إلخ ، و فى نفس الوقت يوضحوا للأبناء والطلاب كيف
يكون أدب الحديث مع الأكبر سناً وخاصة الآباءوالأمهات والمعلمين ]..
معظم التربويون والإعلاميون
العرب ساقوا إلينا تلك الأفكار ( ديمقراطية الحوار بين الآباء والأبناء ) من
مبادىء أجنبية ، واقتنعوا بها إيماناً بأن الغرب أكثر تقدماً وعليه فإن كل ما
يأتي من جهتهم هو الأوُلى بالإعتبار ، ولم يخجلوا من ضرب الأمثلة بعادات أجنبية
على أنها من علامات الرقي التي هي من دلائل التقدم الحضاري كالإشارة إلى أن شباب
الغرب ينفصل عن الأسرة في سن المراهقة إعتماداً على الذات وهذه إحدى صور
الديمقراطية الأسرية ، وإن كانت هذه الصورة بالذات يمكن الحديث فيها باستفاضة
وكيفية الإستفادة من إيجابياتها وتلاشي سلبياتها إذا أردنا الإقتداء بها في
موضعها ( الإعتماد على الذات ) .. فإنني لا أجد فيها وشاكلتها مجالاً للحديث عن
ديمقراطية الحوار ، لا أجد فيها سوى التحريض للتمرد على الأسرة ، فقد غاب عن
هؤلاء الجهابذة ( أنصار التربية الحديثة ) أن المجتمعات الغربية لها عاداتها
التي لا تنتمي ـ في معظم الأحيان ، إن لم يكن كلها ـ إلى أي مبادىء سماوية ، فأي
ملة أو كتاب يرضى للفتاة أن تصادق فتى ويأتيان ما يحلو لهما من أفعال باسم
الصداقة ؟؟؟ ، وأي ملة أو كتاب يرضى للأسرة أن تشارك في صنع ذلك الإنحلال ؟؟؟ ،
وهل يختلف معي مسلم في أي مكان في العالم على تسمية ذلك السلوك بالإنحلال
والفساد ؟ ، وهل يختلف معي أحد في أن ذلك هو سمة الغرب ؟ أو بالأحرى سمة الدول غير
المسلمة ؟ .. ثم بعد هذا نأخذ عنهم أسس التربية .. عجباً !!!
لقد سمعت أحد كبار الأطباء
النفسيين (مسلم عربي) خلال أحد برامج التلفزيون في حديث عن " شقاوة الأطفال
" وكيفية تقويمها حتى لا يصبح الطفل مدللاً.. قال الجهبذ في معرض حديثه :
الطفل لازم يكون قليل أدب وإلا هو غير طبيعي !.. قالها عبر أخطر وسائل الإعلام
على الإطلاق حيث أن التلفاز يعد الأكثر إنتشاراً بين مختلف فئات الشعوب وطبقاتها
وأسرع وأكثر وسيلة إعلامية تأثيراً في عقول المتلقين .
هكذا يدس علماؤنا أسس
التربية الحديثة في عقول أُسرنا عبر وسائل الإعلام المختلفة في المجتمعات
العربية ، ولشديد الأسف فإن الأكثر تأثراً وعملاً بتلك الأفكار هم المتعلمون
والمثقفون .. ولعل ذلك لأنهم اقتنعوا تماماً بأن كل ما يأتي من الفرنجة هو الأصح
لانهم الأكثر تقدماً .. وأنا لا أطلب مقاطعة الدراسات الأجنبية عل الإطلاق ،
ولكن العقلاء هم الذين يأخذون ما يناسبهم ، ففي موضوعنا مثلاً .. لا بأس
بالاستفادة ببحث أو دراسة في سمات مرحلة سنية معينة من حيث النمو الفكري والبدني
، أو دراسة في أفضل طرق التعلم عند مرحلة ما ، أو دراسة في دور المنزل للتأكيد
على المعلومات التي يأتي بها الطفل من المدرسة .. وهكذا ، ثم بعد ذلك يأتي الفكر
الإسلامي ليفحص تلك الاكتشافات وينظم كيفية توظيف تلك المعلومات ، فإذا علمنا
بدراسة غربية أثبتت أن الطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة أو ما قبل المدرسة
يستقبل ذهنه المعلومات عن طريق الصور وربطها بمنطوق الكلمات .. أهيىء له منهجاً
يشتمل على صور ذات صلة وثيقة بالعادات الإسلامية كالصلاة والنظافة الشخصية وأحدى
صورها الوضوء .. وهكذا .، وإذا علمنا أن الأطفال ينجذبون إلى الرسوم التلفزيونية
المتحركة والمعروفة بأفلام الكرتون .. أقدم لهم أفلام تخدم بناء الشخصية المسلمة
القويمة وما لها من سمات متفردة كحب الخير للجميع .. وصلة الأرحام .. والحمية
الوطنية .. إلخ ، فذلك أجدى بكثير من ملىء القنوات العربية بالبوكيمون وأمثاله
ممن يحمل معتقدات عجيبة والأدهى والأمر أن مثل تلك الأفلام تأتي مدبلجة إلى
اللغة العربية حتى يتسنى للأصغر سناً أن يستوعب ما بها من كلمات و معاني لخلق
شخصيات تميل إلى العنف في القول والفعل ، وما هذا إلا تضافر لمجهودات تشذيذ
الشخصية المسلمة عن هويتها السليمة .
هناك أيضاً على نفس القدر
من الخطورة الإعلامية ( القدوة ) ، حيث نلحظ أن البرامج الحوارية هي سمة
محطات التلفزة العربية المحلية أو الفضائية ، وصور الحوار اختلفت وتنوعت ما بين
لقاءات مباشرة مع بعض الشخصيات ، أو لقاءات صوتية عبر الهاتف وهو ما لا تخلوا
منه أي فقرة أو برنامج وإن اختلفت الموضوعات ، إلا أنني أراها في معظم الأحيان
وأغلبها تخرج عن حدود اللياقة ، هذا إذا أردنا كبح جماح التوصيف الحقيقي حتى لا
نخرج نحن عن حدود اللياقة ، فهذا المذيع أو المحاور لا يتوانى عن مقاطعة ضيوفه ،
وهذا لا يجد حرجاً في الضغط على ضيفه محاولاً تثبيت صحة رأيه دون غيره مع
استهجان وجهة نظر الضيف ، وهذه تراها دائمة التهكم على ردود الضيف وكأنها لا
تقتنع بأية إجابات .. وفي كل الأحوال فالأصوات المرتفعة في آن واحد هو السبيل
لتحقيق تلك السطوة ، بيد أنه يجب أن ألفت الإنتباه إلى أن تلك الصفات لا تفرق
بين الرجال والنساء من مقدمي البرامج ، ونلحظ أيضاً أن تلك السمات إذا ظهرت في
المرأة كانت أكثر وضوحاً وشراسة .. وكلما توفر ذلك نالت صاحبته حظاً أوفر من
التواجد على الشاشة ؟ ! .. ناهيك عن السمات الأخرى التي أصبحت سمة العصر أيضاً
من ميوعة المظهر والنطق .
وللتأكد من مدى تأثير تلك
السلوكيات سلبياً على أسلوب الحوار بين الأفراد علينا متابعة ذلك فيما بيننا ،
وإذا كنا لا نقدر على مواجهة أنفسنا لنبحث عن ذلك خلال الشاشة ، فإذا تمعنا (
على الأخص البرامج الرياضية ) لوجدنا أن المشاهد عبر الهاتف يكاد يضرب ضيف
البرنامج !.. أي أن تلك السمات أصبحت مشتركة بين مقدمي البرامج والضيوف من
المشاهدين أو الشخصيات الرسمية والعامة إلا ما ندر .. أي أنها أصبحت صفة عامة ..
ولعل التوقع الوحيد الذي يمكن إنتظاره لحوار هادىء أن يكون أحد أطراف الحوار
شخصية سياسية مرموقة والسبب إما رهبة أو رغبة ، أي أنها ليست إلتزاماً بأدب
الحوار بقدر ما هي دبلوماسية الموقف .
.. .. باختصار ، لقد عكف
الموجِّهون على نشر دعوة الديمقراطية فى الحوار بين الأبناء والآباء فى البيت
والمدرسة ، وتناسوا توضيح بل تلقين آداب هذه الديمقراطية وهذا الحوار .بيد أنه
يجدر الإشارة إلى أن المقصود بالموجهين ليس العاملين بمجال التربية والتعليم
وإنما كل من تحدث في وسيلة إعلامية منادياً بالديمقراطية الأسرية .. ولعلهم أشبه
بالمبشرين .
المطلوب من أي فرد يدعو
للحوار في محيط الأسرة أن يوجه إلى كيفية تعامل الأبوين مع المراحل السنية
المختلفة ، وأشدد على ضرورة توضيح وجوب الحزم عند النقاط الفاصلة .. وأن هذا
الحزم لا يرتبط بمرحلة سنية دون غيرها ، فكثير من الناس يعتقد أن الحزم لا يأتي
إلا سن بلوغ أو بعده ، أو يربطون بين الحزم والشدة وهي لا تجب عند الصغر إتباعاً
لمعنى القول المأثور : " لاعبهم سبع وأدبهم سبع وصاحبهم سبع ثم اترك حبلهم
على الغارب " ، وتوضيحاً للأمر فإن عدم الضحك أو الأبتسام في وجه الطفل
عندما يأتي فعلاً أو قولاً لا يجب أن يعتاده ، يعد حزماً مناسباً للموقف
والمرحلة السنية ، فإذا لم أتدارك الأمر منذ الصغر مستمتعاً بعفوية الأطفال التي
تبدو جميلة المظهر .. أصبح من الصعب تقويم ذلك مستقبلاً لأننا نعلم جميعاً أن
التعليم في الصغر كالنقش على الحجر .. وهذا ليس إلا مثالاً بسيطاً لتوضيح
الأخطاء التي يقع فيها الأباء دون دراية بالتطورات المستقبلية .. ولدي الكثير
منها ناتجاً من تدقيق في سلوكيات من حولي ، ومناقشة بعض مشاكل الأباء لأبنائهم
.. وما يثبت إقتناعي بوجهة نظري أن جميع من تناقشت معهم الأمر بصفة شخصية ( سواء
أقرباء أو أصدقاء ) أقتنعوا وطلبوا المشاركة في علاج الأمر ، وأنا لا أدعي
العبقرية ولكن ربما لعدم وجود أبناء يجعلني أتناول الأمر بنظرة أكثر عملية ،
وبالأحرى نظرة لا تنخرط في العاطفية ، فمعظم أخطاء الأباء التربوية نتيجة
إنصياعهم لعاطفتهم التي عادة ما تبعد العقل عن توازن الأمور .
إن تناول الموضوعات
الإجتماعية يجب أن يكون عقلانياً يتخذ الفكر الإسلامي مساراً ، ولا يستخدم أجزاء
من الكتاب والسنة مظهراً لدس أفكار غربية أو غريبة .. كما يجب ألا نتناول سطحيات
الموضوعات فنترك المجال للإجتهادات غير المدروسة .. هذا أن أردنا الصالح العام
بنية خالصة ، والله الموفق .
فريد مصطفى عبد الوهاب
|