الأربعاء 6 ذي القعدة 1421 هـ

         31 يناير 2001 م

 و        14 فبراير 2001 م

www.album-farid.hostrocket.com

الحلم العربي .. و مشوار الألف ميل

 

قيل قديماً : " مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة " .. ومشوارنا الذي نسعى إليه الآن هو حلم يراود كل عربي ومسلم منذ أمد بعيد وهو " الاكتفاء الذاتي " ، وبعض الأحلام تتحقق ، وتصبح واقعاً ملموساً ، ولكي يتحقق ذلك الحلم يجب أن نغير تصنيفه بأنفسنا من مجرد حلم إلى هدف ، وهذه ليست فلسفة أو تفلسف فكلنا يعلم أن الحلم يجول بالخاطر أثناء النوم ، في حالة اللا وعي ، وربما يكون أثناء اليقظة بما أسماه علماء النفس " أحلام اليقظة " بيد أن كونها مجرد أحلام فذلك يعني أنها ربما لا تتناسب مع الواقع فقد يبالغ الفرد في أمنياته لعلمه أن تحقيق تلك الأماني يفوق إمكاناته .. بينما على الجهة الأخرى نرى الهدف مدروساً ومحسوباً ، بمعنى أن الفرد قبل أن يبدأ في السعي لتحقيق أمنيته يدرس الظروف المحيطة والمتطلبات والإمكانات المتاحة لتحقيق الأمنية أو الهدف ، وهكذا نرى أن الهدف ربما كان يوماً ما حلماً ولكنه استطاع بعزيمة صاحبه والدراسة المنطقية  أن يتحول إلى هدف بالعلم والمثابرة والإخلاص يمكن تحقيقه ، ويمكننا أن نتذكر معاً قول الشاعر : 

كان حلماً فخاطراً فاحتمالا  ...   ثم أضحى حقيقةً لا خيالَ

ولا ننسى أن تلك المقولة لم تكن لحبيب أو حبيبة كما تكدست به كلمات الشعر الحديث ، وإنما احتفالاً بإنجاز مشروع قومي هو السد العالي في مصر .

وإذا أردنا تحويل الحلم العربي إلى هدف ، علينا أن ننظر إليه نظرة علمية ، بمعنى أن نخطو خطوات مدروسة ، وكما تعلمنا ممن سبقنا أن أولى خطوات البحث العلمي هي تحديد المشكلة ، وحلمنا العربي هو فعلاً مشكلة .. ليس لصعوبة تحقيقه ولكن لوقوفه عند الخطوة الأولى ، فجميعنا يدرك تماماً أنه ينقصنا أشياء كثيرة سلبها الاستعمار الأجنبي ، وربما رضينا بحالنا بعد أن اكتسبنا من الاستعمار عادات وصفات لم تكن فينا ، وانخرطنا في التبادل الثقافي وبدلاً من نقل عاداتنا إليهم أصبحنا نحن نسلك من الأمور ما اعتاده الغربيون ، في الملبس وطريقة الكلام رويداً رويداً حتى أصبحنا ندين بمعتقداتهم دون دراسة ما إذا كانت سلوكياتنا تناسب عقيدتنا الإسلامية ، وأصبح المثقفون منا ينادون بما اكتسبوه من الغرب ، حتى صدقهم البسطاء منا فأصبحت السمات السائدة في الأمة العربية غربية الأصل فأصبح من السهل أن يُطلَق علينا " أصحاب عقدة الخواجة " ذلك أن جميعنا يُسلِّم بما يبدر من الخواجة على أن الصواب لا يمكن أن يحيد عنه بأي حال من الأحوال ، وأصبحنا نضرب بهم الأمثال في الرزيلة على أنها الفضيلة ، وخير دليل على ذلك حرية المرأة التي تفشت بيننا تحت ستار حقوق المرأة حتى أصبح تعليم المرأة وعملها مقترناً بتبرجها واختلاطها بالرجال فأصبحت تتشبه بهم ، والأمثلة كثيرة من الأفضل تناولها في مجال حوار آخر ، فالمغزى من المثل أننا اندفعنا خلف إغراءات التحرر الغربي ونسينا تعويض ما فقدناه من ثروات طبيعية إبان الإستعمار ، فأصبح من السهل أن نندمج معهم ليس فقط في السلوكيات بل في إستيراد المنتجات المختلفة صناعية كانت أو زراعية ، حتى أن بعض الجشعين من تجارنا لم يعبئوا بمدى صلاحية ما يستوردون ، وبات من السهل أن نخدع أنفسنا بتعليل ذلك الموقف بتقدم الغرب تكنولوجياً ، على الرغم من تفاخرنا فيما بين أنفسنا ليل نهار بأن نهضة الغرب نابعة من علماء العرب.

وإذا كنا مقتنعين بما نردده : أن علوم الغرب أساسها العلماء العرب ، فكان من الأجدى لنا أن نكتسب فرصة رحيلهم عن بلادنا ونلملم ما تبقى مستغلين تلك العلوم العربية التي نتغنى بها لتنظيم الصفوف ، وتطوير طرق الزراعة والصناعة والبحوث العلمية بشكل عام ، حتى نتقدم عليهم فلا نصبح فريسة لهم مرة أخرى تحت استعمار بشكل آخر ، فها نحن نواجه غزوات جديدة اقتصادية وفكرية ، ولا نستطيع صدها لأننا استسلمنا من البداية لأفكارهم وعاداتهم ، فإذا ما ظهرت خلافات لأي سبب .. تسابقنا في البحث عن فتوى تحرم التعامل معهم ، وأنا بالطبع لا أجادل في تلك الفتاوى ، ولكني أعترض وبشدة أنها لا تظهر بوضوح إلا عند وجود خلافات سياسية ، مع علم الجميع أن تلك الأمور من البديهيات وليست في حاجة لإنتظار الفتاوى ، ولأن هذا ليس هو صلب الموضوع فإنني لن أخوض فيه كثيراً ، بيد أنه يجب أن أؤكد على ضرورة اليقظة إلى الإعتماد على النفس ، على المستوى العربي الإسلامي قبل النظر إلى المستوى الفردي ، وعلى الشعوب إدراك ذلك عملياً بغض النظر عن المواقف السياسية الرسمية للحكومات فتلك لها إعتبارات لها خصوصيتها التي لا تمنع الشعوب من تأسيس ذاتيتها .

مما سبق .. أظنني صعدت معكم الدرجة الأولى من السُلَّم ، أو أكون خطوت خطوات من مشوار الحلم العربي " الإكتفاء الذاتي " فقد حددنا المشكلة [ عدم وجود الاكتفاء الذاتي العربي ] ، وعرفنا سببها [ الانسياق خلف مغريات النهضة الغربية ] ، بيد أنه من الضروري التنويه إلى وجود أسباب أخرى ذاتية ربما تكون نتيجة للتأثر بالغرب إلا أنها تتجلى في سلوكياتنا مع بعضنا البعض ، فكثيراً ما نجد من يقف أمام تقدم أخيه ببحث أو ابتكار أو أداء عمل بصورة أفضل ظناً منه أن هذا الفرد المجتهد قد يؤدي اجتهاده إلى ظهوره ونيله التقدير بما قد يمنع الرزق عن ذلك الأناني .. الكسول عن الإبتكار أو حتى إتقان عمله أو إجادته ، فتكون النتيجة عرقلة التقدم ، فأصبح من يملك المهارات يمتنع عن إظهارها [ ربما عن عمد وربما عن يأس ] خوفاً من ظهور زميل عائق فيعرقل مسيرته الحياتية ، وخير دليل على ذلك .. ظهور الكفاءات الفذة من العرب والمسلمين .. في بلاد الفرنجة مثل الطبيب مجدي يعقوب ، الدكتور أحمد زويل ، وأقرب أمثلة القرن الواحد والعشرين الطبيبة السعودية التي أُعلن في بريطانيا في مطلع القرن الواحد والعشرين عن توصلها إلى طريقة لعلاج الأمراض المستعصية .( ويؤسفني أني لا أذكر إسمها حيث إلتقطت الخبر من التلفاز بالأمس القريب )

.. إذا واجهنا أنفسنا جميعاً بتلك الحقائق ، وأدركنا يقيناً أن الله يرزق من يشاء بقدر اجتهاده ـ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ـ " حديث شريف " ، إذا وعينا ذلك جيداً أمكننا أن نتعاون لننهض معاً فلا نصبح في حاجة الغرب ، ولا نضعف أمام غزواتهم الفكرية والاقتصادية ، فنخطو قُدُماً في مشوار الألف ميل نحو الاكتفاء الذاتي ، ولتكن مقاطعتنا لمنتجات الفرنجة من الصهاينة وأعداء الإسلام مبدءاً عاماً وليست مناسبات موسمية ، وخلاصة القول : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .. فعلينا أن نغير ما بنا من سلبيات أخلاقية لنخطو الخطوة الثالثة [ تنظيم الصفوف والأدوار في طريق البحث العلمي والإنتاج في شتى المجالات ] ، وعلى المثقفين منا أن يراعوا ضمائرهم ويتقوا الله في توجيهاتهم لتكون بناءً لمجتمع عربي مسلم قوي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين وبالتالي تتوالى الخطوات نحو الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية والصناعية ، وتلك إحدى صور الحلم العربي .

فريد مصطفى عبد الوهاب

 

  المقال التالي  » 

 



Free Hosting Provided By: HostRocket Web Hosting Service
Make $50 Per Sale: ViaTalkVoIP Affiliate Program
ViaTalk: Internet Phone Service
VT_White: VoIP Reseller Service